النويري

414

نهاية الأرب في فنون الأدب

ما مررنا عليه ، إلَّا وقفنا وأطلنا شوقا إليه الوقوفا . آلفا للبكاء فيه ، كأنّى لم أكن فيه للغوانى أليفا . حاسدا للجفون لمّا أذالت في مغانيه دمعها المذروفا ! وقال الشريف الرضىّ من أبيات : ولقد رأيت بدير هند منزلا ألما من الضّرّاء والحدثان ! بالى المعالم ، أطرقت شرفاته إطراق منجذب القرينة عانى . أمقاصر الغزلان ، غيّرك البلى حتّى غدوت مراتع الغزلان ! وملاعب الأنس الجميع طوى الرّدى منهم ، فصرت ملاعب الجنّان ! وقال أبو الحسن علىّ القابوسىّ نثرا : « قد كان منزله مألف الأضياف ، ومأنس الأشراف ؛ ومنتجع الرّكب ، ومقصد الوفد ؛ فاستبدل بالأنس وحشة ، وبالنّضارة غبره ، وبالضّياء ظلمه ؛ واعتاض من تزاحم المواكب ، بالأدم النّوادب ؛ ومن ضجيج النّداء والصّهيل ، عجيج البكاء والعويل » . ومن رسالة لضياء الدين بن الأثير الجزرىّ ، جاء منها : « . . . دار لعبت بها أيدي الزمن ، وفرّقت بين الساكن والسّكن . كانت مقاصير جنّة ، فأضحت وهى ملاعب جنّه . ولقد عميت أخبار قطَّانها ، وعفّت آثارها آثار وطَّانها ، حتى شابهت إحداهما في الجفا ، الأخرى في العفا . وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام ، ولا يرفع عنها جلباب ظلام ؛ غير أن السحاب بكاهم وأجرى بها سوافح دموعه ، والليل شقّ عليهم جيوبه فظهر الصّباح من خلال صدوعه » .